مدونة باب البحر
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
.
.

أين الله.

 
مـقــدمة:


الموضوع بصراحة ما كنتش فاكره مهم كده ، لاني كنت فاكره بديهي.

صحيح أنا كنت أجهله منذ خمس سنين فاتت . بس المشكلة ان الناس مش هاممها الموضوع ، و لا عمرها فكرت فيه ، و أنا نفسي ظننت اني الوحيد الذي كنت أجهله.

سألت عامل البوفيه عندنا: أين الله ؟

رد عليا بابتسامة عريضة: طبعا في كل مكان.

الرد كان بمثابة صاعقة بالنسبالي .. صحيح ان الراجل من البسطاء و مفروض اننا نصحح فكرته ببساطة . لكن من وراء هذا الخلل العقائدي!

لما رجعت و فكرت لقيت ان دراستنا هيا السبب . و عقيدة الأشاعرة المتغلغلة داخله.

أنا هنا مش هناقش فرق و ملل .. إنما عايز أوضح عقيدة أهل السنة و الجماعة في (أين الله).


القرآن و السنة:

الأدلة من القرآن و السنة كتيرة جدا .. لكن سآتي بدليل واحد من القرآن و السنة ، يتضح فيهما ذلك:

فمن القرآن:

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}

(16-17) سورة الملك

و من السنة:

عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك الله ! فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أمياه ! ما شأنكم تنظرون إليّ ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني . قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قلت : يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالإسلام ، وإن منّـا رجالاً يأتون الكهان .
قال : فلا تأتهم .
قال : ومنّـا رجال يتطيّرون .
قال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم ، فلا يصدنّهم . أو قال : فلا يصدنكم .
قال قلت : ومنّـا رجال يخطُّون .
قال : كان نبي من الأنبياء يخطّ ، فمن وافق خطه فذاك .
قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَـلَ أحد والجوانية ، فاطّـلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون ، لكني صككتها صكّـة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظّم ذلك عليّ .
قلت : يا رسول الله أفلا أعتقها ؟
قال : ائتني بها .
فأتيته بها فقال لها : أين الله ؟
قالت : في السماء .
قال : من أنا ؟
قالت : أنت رسول الله .
قال : أعتقها ، فإنها مؤمنة .


رواه مسلم .


أئمة المذاهب الأربعة:

كذلك اتفق أئمة المذاهب الأربعة بهذا الشأن:
أئمة المذاهب الأربعة:

1- الإمام أبو حنيفة رحمه الله:

ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق يسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة لمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال الإمام أبو حنيفة: قد كفر، لأن الله تعالى يقول: ((الرحمن على العرش استوى)) وعرشه فوق سبع سموات.
قلت: فإن قال إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين.

2- الإمام مالك رحمه الله:

روى ابن عبد البر في كتاب التمهيد: قول الإمام مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان.
ونذكر قول أبي عمر الطلمنكي: في كتابه الأصول: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه بذاته على الحقيقة لا على المجاز، ثم ذكر قول مالك السابق.

3- الإمام الشافعي رحمه الله:

وأما قول الإمام الشافعي: فقد قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو شعيب وأبو ثور عن محمد بن إدريس الشافعي قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك، وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء.

4- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

وأما قول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله: قال الخلال في كتاب السنة أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال سألت أحمد ابن حنبل عمن قال: إن الله تعالى ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور حول الكفر.
وقال أبو طالب سألت أحمد ابن حنبل عن رجل قال إن الله معنا وتلا قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال أحمد يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلّا قرأت {ألم ترى أن الله يعلم ما في السموات} فهو بالعلم معهم وغير مماس لشيء من خلقه.


أقوال السلف:

كذلك تواترت أقوال سلفنا الصالح بأن اللله تعالى في السماء .. و هذه أقوال بعضهم:

• قول ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية في باب الإيمان أنّ الله فوق عرشه وأن الله هو الذي أخبر بذلك ورسوله أيضاً وأجمع عليه السلف من أنه فوق سماواته على عرشه وهو مع خلقه أينما كانوا يعلم ما يعملون, كما جمع بين ذلك في قوله: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}. فليس معنى قوله:{وهو معكم أينما كنتم}أنه مختلط بخلقه فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه السلف وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، ولله المثل الأعلى أنّك تلاحظ القمر وهو آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته تجده موضوعاً في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، والله سبحانه وتعالى فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني الربوبية. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه صواب، حقيقته لا تحتاج إلى تحريف أو تأويل.

• و قول ابن خزيمة: فقد قال أبو عبد الله الحاكم في كتاب تاريخ نيسابور، وفي كتاب علوم الحديث: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول سمعت إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماوات وأنه بائن من خلقه فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة، ومن ينكر رؤية الله في الآخرة فهو شر من اليهود والنصارى والمجوس وليسوا بمؤمنين عند أهل السنة والجماعة.

• و قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه صريح السنة: وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر.

• ونذكر أيضاً قول ابن المبارك حينما سُأل أين الله؟ فأجاب: اللهُ فوق العرش بذاته وهو بائن عن خلقه وهو معهم بعلمه. ( بائن من خلقه: أي مستغنٍ عنهم وهو غني عن العالمين).


توضيح هام:

قد يظن البعض أن القول بأن الله تعالى (في السماء) أن السماء محيطة بالله أي قد يتبادر إلى الذهن أن خلق الله (السماء) تحيط به .. و هذا فهم خاطئ .. و تفسر كلمة في السماء بتفسيرين . كلاهما له دليله الواضح .. وضحهما الشيخ ابن العثيمين عند شرحه للعقيدة الواسطية:

QUOTE
------------------------------------------------------------------------------

1- فإما أن نجعل السماء بمعني العلو، والسماء معني العلو وارد في اللغة، بل في القرآن ، قال تعالي‏:‏ ‏{‏أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها‏}‏ ‏[‏ الرعد‏:‏ 17‏]‏، والمراد بالسماء العلو، لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ، والسحاب في العلو بين السماء والأرض، كما قال الله تعالي‏:‏ ‏{‏والسحاب المسخر بين السماء والأرض‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏

فيكون معني ‏{‏من في السماء‏}‏، أي‏:‏ من في العلو‏.‏

ولا يوجد إشكال بعد هذا، فهو في العلو‏.‏ ليس يحاذيه شىء، ولا يكون فوقه شىء‏.‏

2- أو نجعل ‏"‏ في ‏"‏ بمعنى ‏"‏ على ‏"‏ ، ونجعل السماء هي السقف المحفوظ المرفوع، يعني‏:‏ الآجرام السماوية، وتأتي ‏"‏ في ‏"‏ بمعنى ‏"‏ على ‏"‏ في اللغة العربية، بل في القرآن الكريم، قال فرعون لقومه السحرة الذين آمنوا‏:‏ ‏{‏ولأصلبنكم في جذوع النخل‏}‏ ‏[‏ طه‏:‏ 71‏]‏ ، أي‏:‏ على جذوع النخل‏.‏


------------------------------------------------------------------------------


** و أخيرا نقول : أن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه بذاته وهو ليس داخل العالم ، بل منفصل وبائن عنه وهو مطلع على كل شيء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، و إثبات علو الله سبحانه و تعالى ثابت في الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة ،، و الأدلة أكثر مما تحصى و لكن سيطول بنا المقام إن ذكرناها.


أرجو أن أكون قد أفدتكم . و أن يكون الموضوع واضحا.



المصدر: شروح للعقيدة الواسطية للشيخ ابن العثيمين و لشيوخنا الأجلاء . و مصادر أخرى.
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.